محمد داوود قيصري رومي

318

شرح فصوص الحكم

أراد الوارث ذلك أو لم يرد ، كذلك هذا الوارث يأخذ العلم والحال والمقام من الله على حسب استعداده إن شاء ذلك أو لم يشأ ، فإنه تمليك قهري . فمعنى قوله ، عليه السلام : ( فمن أخذه ) أي ، من أخذ العلم الإلهي من الله ، القائم بربوبيته باطن رسول الله وظاهره ، فقد سعد وخلص من الشكوك والشبهات الوهمية . ولما كانت علومهم وأحوالهم ومقاماتهم حاصلة من التجليات الأسمائية والذاتية على سبيل الجذب والوهب ، من غير تعمل وكسب ، كان علوم هذا الوارث وأحواله ومقاماته أيضا كذلك من غير تعمل وكسب . قال تعالى : ( بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ) . فعلوم الأولياء والكمل غير مكتسبة بالعقل ولا مستفادة من النقل ، بل مأخوذ من الله ، معدن الأنوار ومنبع الأسرار . وإتيانهم بالمنقولات فيما بينوه إنما هو استشهاد لما علموه ، وإتيانهم المعاني بالدلائل العقلية تنبيه للمحجوبين وتأنيس لهم رحمة منهم عليهم ، إذ كل أحد لا يقدر على الكشف والشهود ، ولا يفي استعداده بإدراك أسرار الوجود ، فلهم نصيب من الإنباء والرسالة بحكم الوارثة لا بالأصالة ، كما للمجتهدين من العلماء في الظاهر نصيب من التشريع ، لذلك لا يزالون منبئون عن المعاني الغيبية والأسرار الإلهية . ولما كانت الأمور السابقة في النشأة الدنياوية سببا للوصول إلى ما قدر له في الآخرة ، كما قال ، عليه السلام : ( الدنيا مزرعة الآخرة ) . ، قال : ( لآخرتي حارث ) ولا يريد به أجر الآخرة ودخول الجنة وغيرها ، فإن الكمل لا يعبدون الله للجنة . بل المراد ب‍ ( الآخرة ) ما به ينتهى آخر أمره من الفناء في الحق والبقاء به . قال الشيخ : ( فمن الله فاسمعوا * وإلى الله فارجعوا